محمد جمال الدين القاسمي
396
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وصحت أحاديث متعددة بتحريم القتال فيه . وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح » « 1 » فهو آمن من الآفات ، لم يصل إليه جبار إلا قصمه الله . كما فعل بأصحاب الفيل . وقوله تعالى في سورة إبراهيم هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [ إبراهيم : 35 ] ، بتعريف البلد مع جعله صفة لهذا ، خلاف ما هنا ، إمّا أن يحمل على تعدد السؤال بأن تكون الدعوة الأولى المذكورة هنا ، وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا . كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا . لأنه تعالى حكى عنه أنه قال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [ إبراهيم : 37 ] ، فقال ، هاهنا ، اجعل هذا الوادي بلدا آمنا . والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا . فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة . وإمّا أن يحمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادر . فالظاهر أن المسؤول كلا الأمرين . وقد حكى ذلك هنا . واقتصر هناك على حكاية سؤل الأمن ، اكتفاء عن حكاية سؤال البلدية بحكاية سؤال أجعل أفئدة الناس تهوي إليه ، هذا خلاصة ما حققوه . وعندي أن السؤال والمسؤول واحد . إلا أنه تفنن في الموضعين . فحذف من كلّ ما أثبته في الآخر احتباكا . والأصل : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا . وبه تتطابق الدعوتان على أبدع وجه وأخلصه من التكلف . على ما فيه من إفادة المبالغة . أي بلدا كاملا في الأمن : كأنه قيل : اجعله بلدا معلوم الاتصاف بالأمن مشهورا به كقولك : كان هذا اليوم يوما حارا . وفي القاموس وشرحه التاج : البلد والبلدة علم على مكة ، شرفها الله تعالى ، تفخيما لها . كالنجم للثريا . وكل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة خالية أو مسكونة . وفي النهاية : البلد من الأرض ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء . وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ إنما سأل إبراهيم عليه السلام ذلك ، لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمر ، فاستجاب الله تعالى له ، فصارت يجبى إليها ثمرات كل شيء مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من أَهْلَهُ ، بدل البعض ، يعني : ارزق المؤمنين من أهله خاصة . وإنما خصّهم بالدعاء إظهارا لشرف الإيمان ، واهتماما بشأن أهله ، ومراعاة لحسن الأدب في المسألة . حيث ميّز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين ، في باب الإمامة ، في قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ بعد أن سأل ، عليه السّلام ، جعلها في ذريته ، فلا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء ، وفيه ترغيب لقومه في الإيمان ، وزجر عن الكفر قالَ الله تعالى
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج ، حديث رقم 449 .